ابن عربي
591
الفتوحات المكية
يا رسول الله في الزكاة هل على غيرها قال لا إلا أن تطوع فيحتمل إن الله يوجب عليه ذلك إذا تطوع به فيلحقه بدرجة القرض فيكون في الثواب على السواء مع زيادة أجر التطوع في ذلك فيعلو على الفرض الأصلي بهذا القدر والله يقول لا تبطلوا أعمالكم فنهي والنهي يعم العمل به بخلاف الأمر فالشروع في الشرع ملزم وهو الأظهر فسوى في النهي بين المفروض وغير المفروض وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم النافلة في الصلاة والصيام ولا يجوز عندنا ذلك في الفرائض وهي مسألة خلاف في قضاء الفرض الموقت وليس معنى التطوع في ذلك كله إلا أن العبد عبد بالأصالة ومحل لما يوجبه عليه سيده فهو بالذات قابل للوجوب والإيجاب عليه فالتطوع إنما هو الراجع إلى أصله والخروج عن الأصل إنما هو بحكم العرض فمن لزم الأصل دائما فلا يرى إلا الوجوب دائما لأنه مصرف مجبور في اختياره تشبيها بالأصل الذي أوجده فإنه قال ما يبدل القول لدي فما يكون منه إلا ما سبق به العلم فانتفى الإمكان بالنسبة إلى الله فما ثم إلا أن يكون أو لا يكون غير هذا ما في الجناب الإلهي ومنه قال في حديث التردد ولا بد له من لقائي أي لا بد له من الموت وقوله أفمن حقت عليه كلمة العذاب وقوله حق القول مني لأملأن فليس في الأصل إلا أمر واحد عند الله فليس في الكون واقع إلا أمر واحد علمه من علمه وجهله من جهله هذا تعطي الحقائق فالحكم للوجوب والإمكان لا عين له بكل وجه الواحد إذا لم يكن فيه إلا حقيقة الوحدة من جميع الوجوه فليس للكثرة وجه فيه تخرج عنه بذلك الوجه فلا يخرج عنه إلا واحد فإن كان في الواحد وجوه معان أو نسب مختلفة فالكثرة الظاهرة عنه لا تستحيل لأجل هذه الوجوه الكثيرة فاجعل بالك من هذه المسألة فإنك من هنا تعرف من أين جئت ومن أنت وهل أنت واحد أو كثير ومن أي وجه يقبل الواحد الكثرة ويقبل الكثير الوحدة ولما ذا كانت الحكمة في الكثرة أوسع منها في الواحد والواحد هو الأصل فبما ذا خرج الفرع عن حكم الأصل وما ثم من يعضده وهل النسب التي أعطت الكثرة في الأصل هل ترجع إلى الأصل أو تعطيها أحكام الفرع وليست في الأصل أعيان وجودية هذا كله يتعلق بهذه المسألة فسبحان الواحد الموحد بالواحد وأحدية الكثرة فإن للكثرة أحدية تخصها لا بد من ذلك بها سميت تلك الكثرة المعينة وتميزت عن غيرها فما وقع التميز بين الأشياء آحادا أو كثيرين إلا بالوحدة ولو اشترك فيها اثنان ما وقع التميز والتميز حاصل فالوحدة لا بد منها في الواحد والمجموع فما ثم إلا واحد أصلا وفرعا فانظر يا أخي فيما نبهتك عليه فإنه من لباب المعرفة الإلهية وانظر ما تعطيه صدقة التطوع وما أشرف هذه الإضافة ( وصل في استدراك تطهير الزكاة ) ( وصل في الزكاة من غير الجنس في المال المزكى ) فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل خمس من الإبل شاة وصنف الشاة غير صنف الإبل فالأصل في هذه المسألة هل يطهر الشئ بنفسه أو يطهر بغيره فالأصل الصحيح أن الشئ لا يطهر إلا بنفسه هذا هو الحق الذي يرجع إليه وإن وقع الخلاف في الصورة فالمراعاة إنما هي في الأصل لما فرض الله الطهارة للعبادة بالماء والتراب وهما مخالفان في الصورة غير مخالفين في الأصل فالأصل إنه من الماء خلق كل شئ حي وقال في آدم خلقه من تراب فما أوقع الطهارة في الظاهر إلا بنفس ما خلق منه كالحيوانية الجامعة للشاء والإبل والمالية للشاء والإبل وغير ذلك فلو لا هذا الأمر الجامع ما صحت الطهارة فلهذا صحت الزكاة في بعض الأموال بغير الصنف الذي تجب فيه الزكاة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في تطهير الإنسان من الجهل من عرف نفسه عرف ربه فبمعرفته صحت طهارته لمعرفته بربه فالحق هو القدوس المطلق وتقديس العبد معرفته بنفسه فما طهر إلا بنفسه فتحقق هذا ( وصل في فصل النصاب ) النصاب المقدار وهو الذي يصح أن يقال فيه كم ويكون كيلا ووزنا وقد بين الشارع نصاب المكيل ونصاب الموزون ( الاعتبار في هذا ) المكيل المعقول لما ورد في الخبر النبوي من تقسيم العقل في الناس بالقفيز والقفيزين والأكثر والأقل فألحقه الشارع بالمكيل وإن كان معنى فهو صاحب الكشف لأتم الأعم الأجلى وقد عرفناك قبل إن الحضرات ثلاث عقلية وحسية وخيالية والخيالية هي التي تنزل المعاني إلى الصور المحسوسة أعني تجليها فيها إذ لا معقلها